أفكَار

هل فقد الفكر السلفي تأثيره وحضوره في المجتمعات العربية؟

الفكر السلفي في العالم العربي.. انحسار بعد انتشار.. قراءة في الأسباب (الأناضول)

شهدت العقود الماضية انتشارا واسعا للفكر السلفي في المجتمعات العربية والإسلامية، وحتى في كثير من الدول الأوروبية، بلغت ذروتها في ثمانينيات القرن الماضي، وكان لتبني المملكة العربية السعودية ودعمها لذلك الفكر دور هام وبارز في تنامي ذلك الفكر وانتشاره. 

ووفقا لباحثين فإن السنوات الأخيرة، شهدت تراجعا واضحا لذلك الفكر، مما أفقده تأثيره وحضوره في المشهد الديني بوجه عام، ورافق ذلك تحولات سياسية واجتماعية جردت ذلك الفكر من حواضنه الاجتماعية من ناحية، وأقصته عن دوائر الحظوة والتقريب عند بعض الأنظمة السياسية من ناحية أخرى. 

وذهبت تحليلات إلى توصيف الحالة السلفية بأنها ظاهرة سياسية أكثر من كونها دينية، ويعود سبب ظهورها وانتشارها في عقود ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ومطلع القرن الحالي إلى تبني النظام السعودي للدعوة السلفية ودعمه لها خارج السعودية في كثير من الدول العربية والإسلامية، وأمريكا والعديد من الدول الأوروبية والأفريقية.

كما توجهت بعض الأنظمة السياسية الأخرى في تلك المرحلة لتقريب دعاة سلفيين، وإعطائهم مساحة واسعة من العمل والحركة، مثلما حدث في مصر والأردن وغيرهما، ضمن سياسة احتضان بعض الاتجاهات الدينية وتقريبها لغايات التضييق على اتجاهات دينية أخرى، وهو المسار الذي طرأ عليه تحولات نتيجة تغير الأجندات السياسية فيما بعد، ما نتج عنه تهميش الحركة السلفية، والتضييق على دعاته لصالح اتجاهات دينية أخرى، على خلافات دينية شديدة معه. 

 



ويشير الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، الدكتور محمد أبو رمان في تحليله لطبيعة العلاقة بين الدولة الأردنية والاتجاهات السلفية إلى أن ثمة تنامي في "القناعة السلبية في مراكز القرار ضد الفكر السلفي عموما وتحميله مسؤولية تفريخ الفتاوى والأفكار المتطرفة، بخاصة مع صعود داعش والربط بين ما تقوم به وبين جذورها السلفية، وكان لاستخدام التنظيم لفتوى العالم الإسلامي ابن تيمية، دور فاعل في دعم الصوت السياسي المعادي للسلفيين عموما..".

وتابع تحليله في دراسته المعنونة بـ"مستقبل الظاهرة السلفية في الأردن: صعود الراديكالية وتفكك التقليدية" بالقول "لم تتحول سياسة الدولة من التيار السلفي التقليدي، لكن اصبح هناك اتجاه رسمي وسياسي وثقافي يرى أن السلفيين جميعا يصبون في نهر واحد وهو تعزيز التطرف الديني في المجتمع، لذلك لم يعد هناك اتفاق في دوائر القرار في تفضيل توظيف التقليديين في مواجهة الجهاديين، وعزز من الحد من أهمية التيار التقليدي بالنسبة للدولة الانقسامات داخل هذا التيار، والمشكلات الداخلية التي تواجهه وأثرت على مصداقيته ووحدة أتباعه". 

يتحدث خطباء سلفيون عن تعرضهم للمساءلة لأنهم وصفوا احتفالات المولد النبوي بالعمل البدعي في خطب الجمعة والدروس المسجدية، وهو ما كان متاحا لهم على نطاق واسع قبل ذلك من غير أن يسبب لهم أي مساءلة أو تضييق، وهو ما يدفعهم إلى الحذر الشديد من التحدث بما كانوا يتحدثون به من قبل في التحذير مما يرونه أعمالا ضالة ومبتدعة. 

من جهته رأى الباحث المصري في حركات الإسلام السياسي، مصطفى زهران أنه "مع أهمية تأثير العوامل السياسية في تراجع حضور الحركة السلفية في المجتمعات العربية والإسلامية، إلا أن العامل الاجتماعي يظل هو العامل الأبرز والأهم، والمتمثل في ضعف الحاضنة الاجتماعية، والنفور المجتمعي نتيجة ممارسات وسلوكيات منفرة". 

وأضاف: "وهذا يقودنا إلى فهم الأدوار التي لعبتها السلفية، وقد لعبت أدورا عديدة، منها الدور الوظيفي والذي كان لمؤسسة الحكم والسلطة دور أساسي في تكوينه ورعايته، وإفساح المجال له، والدور الآخر دور المعارضة وهو هامشي ومحدود كما في حالة بعض التجمعات السلفية كسلفية القاهرة وما شابه ذلك". 

 


وقال زهران في حواره مع "عربي21": "من الملاحظ أن زخم التيار السلفي تراجع كثيرا في الآونة الأخيرة، وهو ما أثر على انحسار بعض مظاهر التدين التي كانت سائدة من قبل، كما أن الأجيال الجديدة من الشباب المتدين لم تعد تحفل كثيرا بتلك الهالة والقدسية للرموز والدعاة المشهورين". 

وتابع: "إضافة إلى حالة النفور المجتمعي من التيار بعمومه، فإن كثيرا من الأنظمة السياسية لم تعد تدعم التيار، كما هو واضح في الحالة السعودية، وكذلك غالب الدول العربية والإسلامية، باستثناء التيار المدخلي الذي ما زال يحظى بالدعم الرسمي، وهو تيار نخبوي نبت في أحضان السلطة، ويتعايش معها تماما" على حد قوله. 

بدوره أكدّ الداعية والباحث الشرعي الأردني، عبد الفتاح عمر أن للعوامل السياسية دورا كبيرا في صعود اتجاه ديني ما أو تراجعه وهو ما ينطبق على السلفية تماما، ففي عقود سابقة حظيت بالقبول والدعم، وهو ما اختلف في السنوات الأخيرة سواء كان في السعودية أو دول عربية أخرى". 

ولفت عمر في حديثه لـ"عربي21" من خلال تجربته ومعايشته إلى أن "الدعوة السلفية حينما استقر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في الأردن بداية ثمانينات القرن الماضي كانت تلتقي في جملة مشتركات مع الأحزاب والجماعات الإسلامية الأخرى، كالدعوة إلى التغيير العام وإصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية، لكن ما طرأ على الدعوة بعد ذلك من حرف مسارها إلى اهتمامات محدودة أدّى إلى ارتباك الناس في نظرهم إليها، وتقييمهم لها". 

 



وأضاف: "وهو ما جعل الكثيرين ينظرون إلى الدعوة وكأنها تراجعت عما كانت تدعو إليه، أو أن حضورها وتأثيرها قد ضعف وتراجع، لأن الشيخ الألباني كان يرى ضرورة العمل للتغيير بالعلم والدعوة، وكان من مقررات الدعوة السلفية وفق رؤية الشيخ العمل لاستئناف الحياة الإسلامية والعمل لتطبيق الأحكام الشرعية". 

وأشار عمر إلى أن "اختلافات السلفيين في رؤاهم ومناهج التغيير المتبناة لديهم، والتي أدّت إلى تشظي السلفية وانشطارها إلى سلفيات مختلفة ومتنافرة، أضعفت الدعوة السلفية بعمومها، وأظهرتها بمظهر التيارات المتباينة في رؤاها، والمختلفة في طرائق التغيير والإصلاح بين اتجاهاتها المتعددة". 

وفي الإطار ذاته أرجع الكاتب الكويتي، المتخصص في العقيدة الإسلامية، الدكتور محمد عبدالله المطر تراجع الفكر الإسلامي وضعف حضوره في المجتمعات العربية إلى عدة أسباب من أبرزها الاختلاف الداخلي بين اتجاهات الدعوة السلفية، خصوصا ما حدث بعد أزمة الخليج واختلاف مشايخ الدعوة وكبار طلبة العلم فيها على الموقف من استدعاء القوات الأجنبية والاستعانة بها". 

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول "ومن الأسباب التي أضعفت الدعوة الاختلاف الشخصي بين بعض مشايخها ورموزها، إضافة إلى تبني بعض الدول لاتجاهات دينية أخرى كالاتجاه الأشعري الصوفي، خاصة ما بعد الربيع العربي، وما تقوم به مؤسسة طابة المدعومة من الإمارات يصب في هذا الاتجاه".

 


 
وتابع "كما أن من أسباب تراجع الفكر السلفي وضعف حضوره يتمثل في أنه لم يعد يقدم حلولا لبعض المشكلات والمستجدات والتحديات القائمة، مع صعود موجات التحلل والعلمانية والإلحاد، فبات الخطاب السلفي التقليدي لا يرقى لمواجهة التحديات القائمة والاشتباك معها، إلا من انفتح منهم على الاتجاهات الإسلامية الأخرى واستفاد منها". 

وحول قراءاته لمستقبل الفكر السلفي بعد ما شهده من تراجع، ومدى تأثير ذلك على المشهد الديني بعمومه، توقع الكاتب الكويتي المطر في ختام حديثه "أن المرحلة القادمة لن تشهد عودة قوية للفكر السلفي، وقد تزداد عملية التشظي والانشطار داخل الاتجاهات السلفية القائمة بفعل العوامل السياسية والشخصية، وقد تتشكل تيارات جديدة من سلفيين وآخرين من اتجاهات إسلامية أخرى".