قضايا وآراء

ذكرى عاصفة الحزم.. ذكرى الفشل

1300x600
من المقولات المشهورة التي حُفظت في الذاكرة في العصر الحديث مقولة للرئيس المصري الراحل أنور السادات يصف بها حرب 1973م: "حربنا للتحريك وليست للتحرير". وهذه ليست زلة لسان أو تعبيرا يخص تلك الحادثة فقط، بل هي رسم لسياسة واضحة المعالم وخلاصة تبين أساس التحركات العسكرية لمعظم الدول التي تشكلت حدودها عقب انتهاء الاستعمار (الاحتلال) الأوروبي لها منتصف القرن الفائت.

وينطبق ذلك على التحالف العربي في اليمن الذي تشكل قبل ست سنوات بقيادة السعودية، وبمشاركة سبع دول هي: السودان والأردن والمغرب والكويت والإمارات والبحرين وقطر، وبدأ تدخله العسكري بغارات جوية إثر تقدم الحوثيين إلى مدينة عدن في 26 آذار/ مارس 2015م. وحينها أعلن أنه يسعى لتحقيق هدفين أساسيين وهما:

- إعادة الشرعية إلى اليمن.

- إنهاء تمرد المليشيات.

لكن السنين الماضية أظهرت بجلاء أن هذه العملية لم تأت للقضاء على التمرد وإعادة الأمور إلى نصابها ومساعدة الحكومة في تسيير أعمالها، والرجوع إلى المسار المتفق عليه في مؤتمر الحوار الوطني، والحفاظ على أمن دول الجوار. فما حدث هو العكس تماما؛ أصبحت الأراضي السعودية مستباحة، وجماعة الإمامة والولاية التابعة لطهران أضحت أقوى من ذي قبل، والحكومة الشرعية هي الطرف الأضعف في المشهد العام، والبلاد مقسمة، والفقر انتشر والتجاذبات المناطقية والجهوية على أشدها..

في الأشهر الأولى من انطلاق عملياته، شن التحالف ضربات كثيرة ومركزة استهدفت معسكرات وطرق إمداد الحوثيين وأماكن تجمعاتهم ومنازل قياداتهم، وكذلك وفر دعما بالذخائر والأسلحة للمناطق التي رفضت دخول الحوثي إليها. وتكلل ذلك باستعادة السيطرة على عدن في تموز/ يوليو 2015م، وتبعتها بفترة وجيزة كل المحافظات الجنوبية، واستماتت المقاومة الشعبية في الدفاع عن تعز والضالع والبيضاء ومنعت الحوثيين من السيطرة على أغلبها، واستطاعت قبائل مأرب طرد الحوثيين من أراضيها وصولا إلى محافظة الجوف ومديرية نهم شرق صنعاء.

هذا في الداخل اليمني أما السعودية فلم تتكن تتعرض لهجمات حقيقية، وكان الأمر لا يتعدى بضعة صواريخ تستهدف نادرا المناطق الحدودية.

وكما أصدر السادات أوامره بالتوقف توقف التحالف بعد عدن، ولم يستغل تقهقر وضعف الطرف الآخر لحسم المعركة أو على الأقل مساومته وإجباره على الرضوخ لحل سياسي، وكانت هذه أول بادرة من بوادر الفشل الذي لم يتوقف وتواصل على مر ست سنين خلت. ومن تبعات هذا الفشل اشتداد قبضة الحوثيين وسيطرتهم المطلقة على كل جوانب الحياة في معظم محافظات شمال البلاد، وتحول المبادرة على الأرض إليهم وأصبحوا هم من يقرر موعد المعركة ومكانها، وتعرض المنشآت السعودية الحيوية للقصف أسبوعيا، مع أن أحد أهم أهداف التحالف هو حماية السعودية من خطر هذه الهجمات، والأهم من ذلك كله تحول الحرب بين متمردين سطوا على مؤسسات الدولة واعتدوا على كثير من مناطق البلاد ومارسوا كل أنواع الظلم وبين شرائح مجتمعية كثيرة رافضة لحكمهم؛ إلى حرب بين سلطة قائمة بحكم الأمر الواقع والسعودية، ولم يعد أحد يعترف بشيء اسمه انقلاب.

كيف حدث هذا؟

يمكن تلخيص فشل التحالف فيما يلي:

- إيكال الأمر للإمارات: فهي كانت القائد الفعلي على الأرض في معارك عدن والحديدة وطرد القاعدة من المكلا والمناطق الأخرى، ثم عملت على تكوين مليشيات موالية لها في تلك المناطق، واستجلبت فرق اغتيال غربية لتصفية المناؤيين، ووقفت حجر عثرة أمام عودة الحكومة لممارسة عملها، مما ساعد في إذكاء نزعة الانفصال وتقوية المنادين به، وهذا خدم الحوثيين كثيرا وردوا الجميل بعدم استهداف الإمارات مطلقا!

- إهمال المقاتلين: شتان بين دعم الإمارات لأتباعها وبين دعم السعودية لحلفائها، فالأولى وفرت لهم تجهيزات عسكرية متكاملة من التدريب إلى التسليح، أما السعودية فلم تقدم سوى الدعم الجوي الذي لم يسلم من الضربات الخاطئة الكثيرة، وأهملت تزويد الجيش بمعدات قتال حديثة ومتطورة كالطائرات والصواريخ، واختتمت ذلك بعدم اكتراثها بالمقاتلين اليمنيين الذين جلبتهم للدفاع عن حدودها الجنوبية وعاملتهم بامتهان شديد وتركتهم لقمة سائغة للحوثيين، كما حدث في منطقة كتاف مطلع أيلول/ سبتمبر 2019م.

- إضاعة الفرص: تدهورت قوة الحوثيين بعد طردهم من عدن، ودخلوا في حرب مع الرئيس السابق علي صالح أدت إلى مقتله، وانهارت صفوفهم في الحديدة، وبعض المناطق ثارت عليهم مثل عتمة وحجور والحيمة، والسخط الشعبي عليهم كبير جراء ممارساتهم القمعية؛ إلا أن التحالف كان في سبات عميق ولم يستغل كل تلك الفرص.

- سلاح التنمية: من الأشياء المتأصلة في العقل الجمعي لأهل اليمن كره السعودية؛ فكل الناس هنا يعتقدون أن سبب تخلف اليمن واستشراء الفساد فيه هو دعم السعودية للنظام السابق، والكثيرون يظنون أن للسعودية دورا في سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2014. وفي مقابل هذا لم تتخذ السعودية خطوة للأمام لرأب هذا الصدع منذ انطلاق عاصفتها إلى الآن، مع أن الأمر ليس صعبا، وأيسر الطرق لجمع التأييد الشعبي هي المساعدة في التنمية والدفع بعجلة الاقتصاد، ولو أنها أهّلت ميناء عدن وأعادته لمكانته السابقة، وبنت مستشفيات ومدارس ومطارات جديدة وركزت على مشاريع البنية التحتية ووفرت وظائف جديدة، كما فعلت تركيا في شمال سوريا، لوجدت تعاطفا وتأييدا كبيرا سهل عليها مهمتها كثيرا.

- قناة الجزيرة: من معالم فشل السياسة السعودية عموما هو معاداتها لقطر بدون أن تحصل على أدنى فائدة، وبالعكس تماما، خسرت كثيرا لا سيما تغطية قناة الجزيرة التي يتابعها الملايين وتحظى بقبول واسع وذات مصداقية، وبرامجها هادفة مقارنة بغيرها من القنوات، وقد أنتجت عدة أفلام وثائقية تفضح وتعري الحركة الحوثية، وكانت تذيع تقارير من ميدان المعركة أولا بأول، ولما منعتها السعودية ردت باستضافة قيادات الحوثيين وتغطية هجماتهم، وساعدتهم في إيصال تصورهم ورسائلهم للرأي العام العربي.

وهذا الفشل أدى إلى نتائج لا تحمد عقباها، منها ما عبر عنه رئيس وزراء حكومة هادي سابقا أحمد عبيد ابن دغر في تصريحات قال فيها: "إن التحالف العربي يقدم ثلاثة أرباع الشعب اليمني هدية لإيران". فقائدة التحالف السعودية تقول ليل نهار إنها حينما تحارب الحوثيين في اليمن فهي إنما تستهدف راعيتهم إيران، لكنها بسياستها تخدم إيران ومن معها كثيرا؛ فهي من أكبر المساهمين في دعم منظمات الإغاثة الغربية التي يستولي الحوثيون على جزء كبير من المساعدات التي تقدمها وتوفر لهم العملة الصعبة لشراء الأسلحة، وهي التي تسعى لإيجاد قدم لها في المهرة البعيدة كل البعد عن مسرح العمليات، مما يثبت أن لديها مشروع احتلال، وما زالت تحتجز هادي إلى الآن..

وخارج اليمن، دعمت السعودية الحكومات العراقية واللبنانية الموالية لإيران، ولم تستغل الثورة السورية ولم تقدم دعما حقيقيا للفصائل التي تقاتل مليشيات إيران هناك.

وجل سياساتها تتماشى والدعاية الإيرانية، حيث رهن السعوديون قرارهم السيادي للدول الغربية لا سيما أمريكا؛ باعتمادهم شبه الكلي عليها في المعلومات والخطط والسلاح، وسمحت بتواجد قوات أجنبية في أراضيها، وقطعت معظم الطريق نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني. وأفادت إيران كثيرا حينما اتجهت نحو علمنة المجتمع وفتح دور السينما والمراقص وتشجيع الحفلات الغنائية وتغريب المرأة، إذ سيصبح شعبها سهل الاختراق وغير قابل للمواجهة.

وهذا كله تبعا للإملاءات الغربية التي أصبح القرار السعودي مرهونا بها. ولأول مرة تعلن دولة الحرب على دول أخرى من دولة ثالثة، كما حدث ليلة انطلاق التحالف العربي، ولا توجد دولة تستجدي المجتمع الدولي (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) لحمايتها أكثر من السعودية، وكلما تفعل كلما تعرضت منشآتها للقصف.

وحينما رأت دول التحالف أفعال السعودية وعملها لصالح غيرها آثرت الانسحاب الواحدة تلو الأخرى، وبقت الإمارات معها لفترة حتى أنشأت جيشها الخاص وسيطرت على الموانئ والجزر ثم ذهبت، وبقيت السعودية في الميدان وحدها تصارع صواريخ ومسيّرات عدوها.

الخلاصة:

كشفت الأيام أن التحالف العربي لم يكن من ضمن أهدافه القضاء على الحوثيين أو إجبارهم على ترك السلاح، بل جميع أعماله صبت في تقويتهم وزيادة نفوذهم، ولا يسعى لمساعدة الحكومة في فرض سلطتها أو المساهمة في تنمية البلاد وإخراجها من المأزق الذي وقعت فيه.

والنظر بتجرد سيفيد بأن الإمارات كانت هي القائد الفعلي على الأرض، أما السعودية فحشرت في زاوية مواجهة الحوثيين فقط. ولم تعد الحرب بين تحالف عسكري ومليشيات متناثرة، بل بين السعودية ومليشيات منظمة ومسلحة جيدا، وهذا بسبب عمى السعودية السياسي وارتهان قراراها السيادي للغرب.

وعلى ما يبدو أن أهداف إنشاء التحالف الحقيقية هي:

- تهيئة الأجواء لتشكيل دولة في جنوب اليمن مجددا.

- تمكين الحوثيين في الشمال.

- سيطرة القوى الاستعمارية على مضيق باب المندب وجزيرة سقطرى.

- ابتزاز السعودية ماليا وسياسيا.

- تهيئة المنطقة لإعادة فرزها على أسس مذهبية.