أفكَار

من"الصحوية" إلى "المذهبية".. أنساق دينية تتوارى وأخرى تنتعش

خبراء: ما ينقص نسق التدين الحالي (الأشعري الصوفي) هو الجانب الحركي

على وقع تراجع حركات الإسلام السياسي، وتقليص دوائر انتشار التيار السلفي، وتصعيد التيار الأشعري المذهبي الصوفي، كبديل عن نسق التدين الصحوي الحركي السلفي، باتت الفروقات بين انشغالات النسق السابق والنسق الحالي تتضح شيئا فشيئا. 

فبينما غلب على الحالة الدينية إبَّان النسق الأول تكريس الخطاب الديني لتعميق الاعتزار بالهوية الدينية، والعناية بالمناهج التغييرية والرؤى الإصلاحية، والانهماك بهموم الأمة الكبرى، والمشاركة الفاعلة في مناصرة قضاياها المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كان لافتا في نسق التدين الثاني، حسب مراقبين الانهماك الشديد في السجالات الداخلية، وإشعال فتيل المعارك الكلامية (العقدية)، وتوجيه النقد القاسي لإنجازات التدين السابق، إلى حد مهاجمته حسب مراقبين. 

كما ظهرت بصورة مكثفة في نسق التدين الحالي الخلافات العقدية والمنهجية بين اتجاهي الأشاعرة والسلفية، بخلفياتها التاريخية، وسجالاتها العقدية، وتداعياتها المؤسفة المتمثلة بادّعاء كل طرف منهما حق تمثيل أهل السنة والجماعة، وما يتولد عنه من تبديع وتضليل كل طرف منهما للآخر، وتوسيع دوائر الاختلاف والسجال ما نتج عنه إغراق عامة المسلمين في بحور الجدل العقدي الكلامي بحديته المعروفة.  

ووفقا للأكاديمي المغربي، الباحث في الفكر الإسلامي، الدكتور حفيظ هاروس فإن أهم الفروقات التي يمكن تسجيلها "بخصوص هذين النسقين العامين من التدين هو وجود رؤية إصلاحية شاملة لأوضاع المسلمين، والعمل على تنزيل هذه الرؤية بالسبل الممكنة والوسائل المتاحة، وهو ما نجده واضحا عند جماعات (الإسلام السياسي)، وبعض المكونات السلفية". 

 



وأضاف: "أما التيار المذهبي الصوفي فلم يتشكل بعد في حركة إصلاحية شاملة تسمح له بالنفوذ والامتداد، وما زال في أغلبه يهتم بالتدين الفردي معتقدا وسلوكا، غير أن الانحسار الذي يشهده التيار الأول اليوم يعد فرصة تاريخية له للصعود والتأثير في مجالات الحياة العامة المختلفة".

وأردف: "ولكي يتمكن هذا التيار من القيام بأدواره التاريخية فهو بحاجة اليوم إلى ترشيد وتسديد، سواء للنهوض بأعباء الدعوة والتعليم والإصلاح أو ليتمكن من تجاوز مظاهر القصور والنقص التي شابت عمل التيارات الحركية والسلفية".

وردا على سؤال "عربي21" حول ما يمكن اقتراحه بهذا الخصوص، أشار هاروس إلى "ضرورة امتلاك هذا التيار لرؤية إصلاحية شاملة، ينفتح من خلالها على هموم المسلمين المعاصرة، وقضايا التدافع الحضاري، ومزاحمة الأفكار الإلحادية والتشكيكية في عقر دارها متسلحا بالأدوات العلمية والفكرية المناسبة". 

وتابع: "وكذلك عدم الاستغراق في الخلافات والسجالات المذهبية والفقهية التاريخية، والانغلاق عليها، وضرورة الابتعاد عن داء التفرقة، وتوسيع دائرة الحق، والاعتذار للمخالف ما أمكن، وتحقيق الاستقلالية عن الأنظمة السياسية الاستبدادية، وعدم الاشتباك مع السياسي اليومي، والاقتصار على المبادئ العامة التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتقرب ولا تباعد". 

ولفت الباحث هاروس إلى أن "مظاهر التدين في العالم الإسلامي تاريخا وحاضرا متعددة وغنية، سواء من حيث المذاهب الاعتقادية النظرية أو المدارس الفقهية العملية، أو الاتجاهات الحركية الإصلاحية، لكن ما يشوّش على هذا التعدد والغنى ويعيبه هو أن يصبح ساحة للمناكفات والسجالات التي تخرج في أحيان كثيرة عن حد الصواب والمعقول، وما يترتب على ذلك من مظاهر التعصب والغلو، والشدة على المخالف، وتضييق دائرة الحق، واحتكار الصواب".

من جهته أكدّ الباحث الأردني في شؤون الحركات الإسلامية، الدكتور مروان شحادة "تراجع حضور ما يمكن تسميته بالتدين (الصحوي الحركي السلفي)، وإن كانت التسمية عامة وتندرج تحتها مدارس مختلفة"، مضيفا أنه "من الواضح أن استراتيجيات الحرب على الإرهاب التي تزعمتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها أنتجت سياسات جديدة في التعامل مع مختلف المدارس الفكرية الإسلامية عموما، وما يُعرف بالتدين (الجهادي) على وجه الخصوص، وهو التدين الذي يؤمن بالتغيير عبر استخدام العنف والقوة". 

 



وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "وقد نتج عن تلك السياسات عمليات تغيير في سياسة الدول والتشريعات التي من شأنها التضييق على مختلف المدارس الفكرية، وتراجع فاعلية تلك المدارس بشكل واضح، وبخاصة أن هذه الاستراتيجية تضمن جانب منها تغيير المناهج الدينية في معظم الدول، واستهداف دراسة العقائد، التي تدعو وتحرض على الخروج على الدولة ممثلة بأعلى رأس الهرم فيها، وكذلك على المجتمع". 

وتابع: "حيث تبين لدى القائمين على تلك الاستراتيجية؛ أن البناء العقائدي للتدين السلفي الحركي بمختلف مدارسه (العلمي أو التقليدي، والحركي والحزبي، والجهادي) ساهم إلى حد كبير في وجود تيار عريض لا يؤمن بالديمقراطية، ويحرض على تكفير الحاكم والنظم السياسية القائمة، والدعوة للخروج عليها، على ما بين رؤاها من اختلافات وتباينات". 

وأردف: "يمكننا في هذا السياق قراءة توجهات من يتولون زمام الشأن الديني في العالمين العربي والإسلامي، لدعم وتشجيع انتشار مدارس فكرية تحمل في طيات تدينها عدواة تاريخية للتدين السلفي، ومثال ذلك التدين الأشعري والصوفي، وهو ما يعني استدعاء خلافاتهما العقائدية والمنهجية، والاشتغال بها، ما شغل العلماء والمفكرين عن القضايا المصيرية التي تؤثر على حياة عموم المسلمين،وتدخلهم في خلافات وسجالات وجدالات لا نهاية لها، وبلا فائدة حقيقية مرجوة". 

وطبقا لشحادة فإن "بروز التدين الحالي (المذهبي الأشعري الصوفي) لا يعني بالضرورة اختفاء التدين الحركي السلفي وغيره من أنواع التدين، إذ إن فاعلية التغيير لأيديولوجية أية مدرسة فكرية بعينها تحتاج إلى فترة زمنية طويلة، ورموز مؤثرة لإحداث هذا التغيير".  

بدوره رأى الباحث في الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي أن "ما ينقص نسق التدين الحالي (الأشعري الصوفي) هو الجانب الحركي، كما أن أغلب أتباع هذا التيار من العوام، خاصة أتباع الطرق الصوفية، وهم مقلدون لشيوخ الطرق، ولا توجد تطورات في الحالة الحركية أو الفكرية، أو مراجعات لبعض الممارسات التعبدية في أوساط هذا التيار". 

 

                    ماهر فرغلي.. باحث مصري في الحركات الإسلامية

وتابع في حديثه لـ"عربي21": "كما أن هذا التيار اختار الابتعاد عن ممارسة السياسة، وهو ما أبعدهم عن التواجد في المواقع المؤثرة داخل الدولة، والتطورمن داخل مؤسساتها، بسبب تفضيلهم لنسق التدين التعليمي والإرشادي والوعظي الخاص بهم، بعيدا عن الاشتغال بالشأن العام، وممارسة العمل السياسي". 

وختم الباحث المصري فرغلي كلامه بالإشارة إلى أن "القطاع العريض من هذا التيار يغلب عليه الطرقية الصوفية، وهي على كثرتها ليست مجتمعة على قيادات واحدة، بل بينها خلافات كثيرة، إضافة لما ينتشر بين الطرق الصوفية من توريث، ما نتج عنه حالة من التكلس داخل تلك الطرق، على خلاف التيارات الحركية والسلفية المتطورة بشكل دائب" على حد قوله.