تقارير

الفلسطينيون جعلوا من شجرة التين رمزا لأرضهم وهويتهم

أنواع التين الكثيرة المنتشرة في فلسطين من الشمال حتى الجنوب جعلها تصدر التين للدول العربية المجاورة منذ العام 1941م.
تعتبر شجرة التين واحدة من الأشجار المباركة في فلسطين وأقدمها، وهي من التراث الشعبي الفلسطيني لأنها ترمز إلى الأرض التي كان الفلاح الفلسطيني يعتني بزراعتها بشكل دائم وهي منتشرة في كل مكان بفلسطين خاصة في المناطق الجبلية منها.

وعرف الفلسطينيون شجرة التين المباركة منذ آلاف السنين، واهتم المزارعون الفلسطينيون بزراعة التين، لأنها شجرة مباركة، ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة حملت اسمها "التين"، مما جعلها تحتل مكانة مرموقة في فلسطين.



ويرى الفلسطينيون الأمل في هذه الشجرة حيث أن ثمارها حلوة المذاق والطعم، وقد راقت لهم ناضجة وطازجة، وعند تجفيفها بما يعرف باسم بـ "القُطين".

 وتعتبر ثمار شجرة التين غنية بالفيتامينات والمعادن إضافة إلى أنها حافظت على مدار السنوات الماضية على هوية الشعب الفلسطيني لتكون عنوانا لفلسطين وهويتها.

وعلى الرغم من سعي الاحتلال الاستيلاء على الكثير من الأكلات والأشجار التراثية الفلسطينية ونسبها له إلا أنه لم يقترب من هذه الشجرة لإدراكه صعوبة تصديق العالم لروايته كونها ترمز إلى الأرض الفلسطينية وتم ذكرها في القرآن الكريم قبل أكثر من 1400 عام.

وقال المهندس محمد أبو عودة الناطق باسم وزارة الزراعة الفلسطينية لـ "عربي21": "شجرة التين هي شجرة فلسطينية مباركة، ومن أقدم النباتات التي عرفها الإنسان الفلسطيني".

وأضاف: "تتحمل شجرة التين كل الظروف البيئية، وتعيش في كل أنواع التربة رملية وطينية وحتى الصخرية، ولأنها لا تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء والأسمدة، وأنها مقاومة جيدة للآفات والأمراض، كل هذه الصفات جعلت من هذه الشجرة المباركة، تحتل مكانة مرموقة في فلسطين التي بارك الله فيها وفي من حولها".


                              محمد أبو عودة.. الناطق باسم وزارة الزراعة الفلسطينية

وأوضح أن شجرة التين وفرت للشعب الفلسطيني على مدار السنين ثماراً طازجة في الصيف وثماراً مجففة يأكلها شتاءً لأنها قابلة للتخزين، وغنية بالسكر على مدار الأيام.

 وقال أبو عودة: "عرف الشعب الفلسطيني وشعوب منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط التين كغذاء ودواء، ومصدر رزق لهم حيث جففوا التين (القُطين)، وكان من تجارتهم الهامة أيضا".

وأضاف: "دأب المزارع الفلسطيني على زراعة أشجار التين نهاية موسم (أربعينية الشتاء) أي في أواخر شهر كانون ثاني/ يناير من كل عام، وذلك بأخذ غصن أو عُرف من شجرة تين معروفة الأصل وذات نوعية جيدة الإنتاج والمذاق، وأن يكون لها براعم وعيون قبل نمو الورق، وغرسها في المكان المناسب، وريها بالماء، كما تشكل مياه الأمطار عاملاً رئيسياً لنمو هذه الأغصان".

وأوضح أبو عودة أن أشجار التين هي من الأشجار المثمرة التي تنمو بسرعة حيث تحتاج إلى 2- 5 سنوات لتعطي أُكلها.

وقال: "لجني محصول التين الذي يزرع كاستثمار اقتصادي تجاري، وحتى تكون عملية القطف اقتصادية وغير مُكلفة؛ درج المزارعون على دهان ثمار التين المتماثلة وذات النوعية الواحدة وفي فترة محددة بزيت الزيتون على رأس حبة التين بما يعرف بـ (التزيت)، وذلك لاستثارة عوامل النضج في حبات التين والتي يتم نضوجها في خلال 3- 5 أيام".

 وأضاف: "يُنصح بقطف الثمار الناضجة في الصباح الباكر حيث تُزينها وتبللها قطرات الندى".

وأكد على أن أنواع التين عديدة ومتنوعة ومن اهم أنواعها: الغزالي، وهو أطيب نوع وأكثر نوع حلو، بقراطي :حلو وحجمها أصغر من الغزالي،  البياضي: أكثر تين يستوي بسرعة حجم حبته نسبيا كبيرة ويظل لآخر الموسم، السويدي : يوجد منه حجمين حجم صغير وحجم كبير يمتاز بالطعم الحامض نسبيا ولونها داكن كثير، سباعي: تين نسبيا حجم حبها كبير وطعمها كتير حلو.

وأشار إلى وجود أنواع أخرى للتين مثل: موازي، حماري، خضاري، شتاوي، ونورسي وهو نسبيا قليل.

وقال الناطق باسم وزارة الزراعة الفلسطينية: "لقد تمكن المزارع الفلسطيني مؤخراً من جمع عدة أنواع من التين في شجرة واحدة وتحسين جودة إنتاجه بطريقة أخذ عدة براعم من أصول وأمهات مختلفة وتركيبها بطريقة (القلم) على عدة سيقان مختلفة في شجرة واحدة، وهذا ما يلجأ إليه منتجو البيوت والمنازل".

وتطرق إلى التين المجفف أو ما يعرف محليا باسم "القُطين"، مشيرا إلى أنه يتم تجفيف ثمرة التين، وبعد تمام جفافها يتم جمع المحصول وتخزينه بالطريقة المناسبة، وتقديمه كأكلة تراثية فلسطينية معروفة.



وأضاف: "للحصول على التين المجفف (القُطين) عالي الجودة، ننصح بترك المحصول على الشجرة الأم حتى ينضج وتذبل أعناق حبة التين الناضجة وتسقط عن أُمها فوق".

وعرف الفينيقيون التين واستعملوه غذاءً ودواء، فصنعوا منه لاصقات تشفي من البثور، واستعمله الفراعنة علاجاً لآلام المعدة.

ويقول ابن سينا في كتابه "القانون": "إن التين مفيد جداً للحوامل والرضع"، كما يقول أبو بكر الرازي في كتابه "الحاوي" "إن التين يقلل الحوامض في الجسم ويدفع أثرها السيء".

وأكد الدكتور يحيى الكيالي، خبير الأعشاب والتغذية العلاجية على القيمة الغذائية لثمرة التين واحتوائها على عشرات الفيتامينات والمعادن.

وقال الكيالي لـ "عربي21": "إن التين الطازج أو المجفف يعتبر غذاء ودواء، وهو مصدر غني للفيتامينات، والمواد المعدنية، ومفيد جداً للحوامل والأطفال الرضُع، وعلاج ناجع للإمساك المزمن".

وأضاف: "إن تناول عدة حبات من التين على الريق فإنها تعالج الإمساك".


                                       يحيى الكيالي، خبير الاعشاب والتغذية العلاجية

وأكد الكيالي على أن منقوع القطين يعالج التهابات الجهاز التنفسي، والتهاب القصبة الهوائية والحنجرة، ويخفف من حدة السُعال الديكي.

وشدد على أن تناول حبة تين واحدة على الإفطار يغني عن أمور كثير ولها قيمة غذائية عالية جدا نظرا لأنها تحتوي على 37 نوعا من الفيتامينات والمعادن والعناصر الغذائية كأنك تتناول علبة كاملة الفيتامينات والعناصر التي يحتاجها الجسم.

واستعرض خبير الأعشاب والتغذية العلاجية ما تحتويه حبة التين من عناصر مثل: فيتامينات، أملاح، عناصر، تحتوي على كمية من الماء، بروتونات، سعرات حرارية.

وقال: "حبة التين الواجدة التي وزنها 50 جرام تحتوي على 37 سعرة حرارية فيها: بروتين، دهون، كربوهيدرات، سكريات، بوتاسيوم، صوديوم، زنك، فسفور حديد، مغنيسوم، نحاس، فيتامين ج، فتيامين ب 1، والسيرينوم".

وأضاف: "إن حبة التين تحتوي كذلك على الكثير من المواد الغذائية مثل: الكولين المهم جدا للكبد والذي يخفض الدهينات الضارة، وتحتوي على الفولات المهم للحديد والدم، وتحتوي على فتامين (أ) المهم للنظر، وتحتوي على فتامين (ك)، كما تحتوي ي على الفيتا كروتين المهم جدا للمفاصل والجلد ونضارة البشرة".



ويطلق الفلسطينيون على موسم التين الذي يبدأ في شهر آب/ أغسطس وينتهي في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر موسم "القيظ" أي شديد الحر، ولكن معناه عند الفلاحين هو موسم "التموين" إذ يكتفي الفلاح بالإفطار صباحاً على ثمار التين.

ومن جهته قال الكاتب والصحفي حمادة حمادة: "إن موسم التين بفلسطين موسم تراثي بامتياز ولا يقل أهمية عن موسم الزيتون".

وأضاف حمادة لـ "عربي21": "ثمرة التين شكلت مادة غذائية وتجارية ممتازة للفلاح، وأنواع التين الكثيرة المنتشرة في فلسطين من الشمال حتى الجنوب جعلها تصدر التين للدول العربية المجاورة منذ العام 1941م".


                   الكاتب والصحفي الفلسطيني حمادة حمادة وسط كروم التين..

وأشار إلى أن قرية مجد الكروم شمال فلسطين، وتل في نابلس اشتهرتا بكروم التين والزيتون في حين تعتبر مدينة رام الله أكثر المناطق إنتاجا للتين.

وقال: "من هنا جاء سبب تسمية مجدد الكروم بهذا الاسم، ليس فقط لكثرة التين والزيتون وإنما لجودتها كذلك".

وتطرق حمادة إلى الأمثال الشعبية التي أشارت إلى شجرة التين مما يدلل على أهميتها بالنسبة للشعب الفلسطيني.

وقال: "في التراث الفلسطيني يوجد أمثال كثير عن التين، مثل: لما ييجي التين ضبوا العجين ".

وأضاف: "هذا المثل قيل لأن شجرة التين يوميا تعطي ثمارا وهذه الثمار كانت تشكل مصدر طاقة للفلاح فهي تغني عن الغداء تغني عن الأكل تغني عن العجين".

وتطرق حمادة إلى مثل شعبي آخر يقول: "كلها نية قبل ما غيرك يأكلها مستوية (ناضجة)"، كذلك المثل القائل "كل واحد بقطينه يقطن".

وحذر من أن شجرة التين مهددة بالزوال والاندثار لأسباب الإهمال وعدم الرعاية، إلى جانب الاستيطان وجدار الفصل، ومصادرة الأراضي وصعوبة الوصول إليها في الضفة الغربية المحتلة.

وقال: "الفلاح الفلسطيني يشبّه شجرة الزيتون، والتين، والعنب بالطبقات الثلاث التي تسكن أرض فلسطين، وهي: البدو، والفلاحين وسكان المدن".

وأضاف: "شجرة الزيتون التي تنمو في كل مكان وتقتنع بالقليل من العناية والاهتمام تشبه المرأة البدوية، وشجرة التين التي تتطلب اهتماماً وعملاً أكثر بالمرأة الفلاحة، ودالية العنب تشبه المرأة المدنية التي تتحمل قليلاً وتتطلب اهتماماً أكثر وتعيش برفاهية".

وأشار إلى القيمة الاقتصادية للتين والقطين، مؤكدا ان الفلاح الفلسطيني كان يقوم بمبادلة القطين بالقمح أو حتى العدس والملح، ولقيمة القطين كان يقدم كتحلية للضيوف.

وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة بالتين في الضفة الغربية وقطاع غزة بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (النتائج الأولية للتعداد الزراعي 2021) نحو 2783 دونمًا، تمثل ما نسبته 0.4% من أشجار البستنة، منها 2369 دونمًا في الضفة الغربية و414 دونمًا في قطاع غزة؛ وتحتل محافظة رام الله والبيرة المرتبة الأولى (بواقع 464 دونما) ثم محافظة نابلس في المرتبة الثانية (بواقع 389 دونما) تتركز معظمها في بلدة تل.