قضايا وآراء

شركات المستوطنات في مرمى حصار جديد

1300x600
لم يحظَ خبر هام بمتابعة وسائل الإعلام العربية خلال اليومين الماضيين رغم أنه واحد من أهم الأخبار التي تتعلق بالقضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة. مفاد الخبر أن الأمم المتحدة أرسلت رسالة لمئة وخمسين شركة تعمل داخل المستوطنات الإسرائيلية تحذرهم فيها من مغبة العمل في أراضٍ محتلة؛ ما قد يعرضهم لعقوبات اقتصادية دولية. ومن المقرر أن يتم نشر القائمة السوداء لهذه الشركات في ديسمبر المقبل إذا لم تستجب للتحذير. 

أكثر من نصف الشركات التي تلقت التحذير هي شركات دولية لها مصالح في كل دول العالم، ومنها شركات أميركية مثل تريب أدفيسور وكاتربلر وبريس لاين وغيرها. وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، فإن هذه الشركات لن تصبر طويلا على ممارسة نشاط في المستوطنات مع احتمال مواجهة تعقيدات قانونية حالية أو مستقبليه. أما النصف الآخر من الشركات فهي شركات إسرائيلية مهددة بالإجراءات ذاتها. وفي رد فعل على هذا التحذير، عارضت الإدارة الأمريكية هذه الخطوة بشدة وحثت الأمم المتحدة على عدم نشر القائمة.

كل هذا يعني أن سلاح مقاطعة إسرائيل اقتصاديا انتقل إلى طور جديد وتحرك من المجال الشعبي إلى المجال الاقتصادي الدولي. وبطبيعة الحال، لن تلجأ شرطة دولية لإغلاق مقار هذه الشركات في المستوطنات وطردها من هناك. لكن يكفي هذا الوصم لأي شركة تعمل في هذه الأراضي المحتلة لمنع مزيد من الاستثمارات في المستوطنات وتهديد وضعية الشركات القائمة. وكما هو معروف، فإن أي بيئة استثمارية ناجحة تستهدف استقرارا وأمانا في المقام الأول، وهو ما سيكون غير متوفر بعد هذه الخطوة. 

رسالة التحذير الأممية تلك هي تطبيق لقرار مجلس الأمن رقم 2334 لسنة 2016 الصادر العام الماضي في آخر عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وأثار عاصفة من الجدل في حينه بعد أن امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت مفسحة المجال لتمرير القرار. 

أعرف أن العرب قد فقدوا الثقة في قرارات الأمم المتحدة منذ زمن بعيد، خاصة تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية بسبب الظلم الواقع على الفلسطينيين لمدة زمنية تجاوزت نصف قرن الآن. لكن هذا لا يجعلنا نمرر مثل هذه الخطوة مرور الكرام، لأنها خطوة مؤلمة جدا للاقتصاد الإسرائيلي وللسمعة التي تحاول إسرائيل بنائها عن نفسها في الشرق الأوسط والعالم. ولأن إسرائيل تعرف جيدا عواقب هذه الخطوة وغيرها من خطوات المحاصرة الاقتصادية، فإنها تشن حربا بلا هوادة على حركة مقاطعة إسرائيل التي تجتاح النقابات والمؤسسات في أوروبا وأمريكا. 

الخطوة الأممية الجديدة ستعطي دفعة لكل المنظمات الأهلية الساعية لمحاصرة إسرائيل اقتصاديا في دول العالم المختلفة خاصة الدول الأوروبية. وهذه المنظمات لا تضم عربا أو فلسطينيين فقط بل يقود كثير منها، إن لم يكن معظمها، غير العرب والمسلمين ومنهم يهود معادون للسياسات الإسرائيلية المجحفة بحق الشعب الفلسطيني.

ليس لدي أدنى شك من أن الإسرائيليين يعملون على قدم وساق الآن للتخفيف من حدة آثار هذا القرار. وهو ما بدا جليا من التصريحات المتتالية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي انتقد الأمم المتحدة وصولا لوزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني التي حملت نتنياهو مسؤولية صدور هذا القرار من دون معارضة كافية ممن أسمتهم أصدقاء إسرائيل. 

أما على صعيد ردود الأفعال العربية، فلم يعد أحد يتوقع من أي دولة عربية أن تخوض حروبا مع إسرائيل. لكن كان من المنتظر أن يتولى الدبلوماسيون العرب تفعيل هذا القرار أمميا ونشره والحرص على تطبيقه كأضعف الإيمان. ويبدو أن الأمر لم يعد ذا أولوية على أجندتهم. ومن المفارقات أن تأتي هذه الخطوة في الوقت الذي يتمدد فيه التطبيع مع إسرائيل خليجيا وتعيش إسرائيل أزهى عصورها مع العديد من الأنظمة العربية.