ملفات وتقارير

أيتام الثورة السورية.. القصة على لسان أبطالها (صور)

معرض الجرود تميز بوجود "فسحة أمل" وابتسامات الأطفال بدل تقديمهم كضحايا - عربي21
حدث كل شيء في لمح البصر "صوت طائرة ثم انفجار فغبار، إنه برميل متفجر قضى على نصف عائلة وشتت النصف الآخر".. هذا هو المشهد في سوريا ببلدة القصير، لكنها ليست القصة الوحيدة التي يرويها لاجئون سوريون حملوا جراحهم وما تبقى من عائلاتهم إلى المهجر.
 
ففي مدينة غازي عنتاب التركية (على الحدود السورية التركية) تختبئ آلاف القصص للاجئين سوريين هربوا من آلة الحرب في بلادهم، حيث يقبع في المدينة ملجأ للأطفال الأيتام الذين فقدوا ذويهم في الحرب الدائرة بسوريا، يحملون في ذاكرتهم الصغيرة قصصا كبيرة تكاد أجسامهم النحيلة أن تضيق بها.
 
قصص أيتام الثورة
 
ونقلت صحيفة "عربي21" قصصا من  دار السلام لرعاية الأطفال الأيتام في مدينة غازي عنتاب التركية لأطفال كانوا شهود عيان على مقتل آبائهم او أمهاتهم أو الاثنين معا.  
 
رزان (6 أعوام) طفلة سورية من بلدة القصير بحمص، تروي لحظة سقوط قذيفة أطلقها النظام السوري والمليشيات الشيعية على منزلها لتنهي حياة شقيقتها (3 سنوات) ووالدتها، ليلتحقا بالأب الذي قتل في معركة القصير الأولى، بينما أصيبت رزان وشقيقتها إيمان بشظايا لتنتقل بعد رحلة نزوح طويلة إلى ملجأ دار السلام لرعاية الأيتام في غازي عنتاب.
 
وقالت رزان: "كنت ألعب وأختي الكبيرة واقفة بجانب أمي، رأينا الطائرة تقترب، لم نتوقع  أن يسقط  فوقنا القذيفة، فجأة حدثت فتحة  في السقف، وأصبح المكان مغبرا لم نستطيع رؤية بعض، كنا نسمع أصوات صراخ، بعد ثوانِ تجمهر الجيران، وبدأوا بإخراجنا من تحت الأنقاض، توفيت أمي و شقيقتي على الفور، بينما أصيب المتبقون بالشظايا".
 
و تروي مديرة دار السلام لرعاية الأيتام منار الدامور، لصحيفة "عربي21" قصصا لأطفال شهدوا لحظة مقتل ذويهم على يد النظام السوري، قائلة إن "رزان ومن تبقى من عائلتها و غيرها من الحالات تعاني من أضرار نفسية بسبب ما عاشوه في الحرب".
 
ولم تكن رزان القصة الوحيدة في الدار التي تضم ما يقارب 52 طفلا سوريا مع مرافقيهم، فعادل هشام الحمدو (8 سنوات) من ريف حماة يتيم الأب، قتل أبوه أمام عينيه عندما كان في السادسة، وتحولت عاطفة المحبة من أبيه إلى أمه وأخته حنين التي تكبره بعام واحد، وبلغت الفاجعة مبلغها حين احترقت أخته حنين أمام عينيه الوقود الأسود، وهو يقيم الآن في دار السلام رفقة أمه وما تبقى من إخوته.
 
أما عبد الرزاق علي الصبيح (3 سنوات)، من ريف إدلب قتل والده برصاصة قناص أثناء عودته من لبنان إلى منزله بعد غياب طال عدة أشهر عن زوجته وأطفاله، لم يتمكن عبد الرزاق من عناق والده، وهو يقيم الآن في دار السلام مع أخيه وأمه.
 
تقدم الدار القائمة منذ عام 2011 للأطفال الرعاية والمأوى و التعليم، كما تركز على برامج الدعم النفسي من خلال تربويين مختصين في هذا المجال، وتعتمد الدار على ما يقدم لها من تبرعات ومساعدات.
 
لكل صورة حكاية.. الأطفال هم الأبطال والجمهور
 
99 صورة من دار السلام لرعاية الأيتام التقطتها عدسة المصور السوري إياد الجرود من بلدة سراقب في إدلب، ليعرضها في صالة تابعة لمعهد الصحافة الفرنسي، ليقف كل طفل أمام حكاية ترويها الصورة، اختار المصور الشاب أن يكون المعرض خارج المألوف، وأن يكون الأطفال أصحاب الصورة هم الحكم  على المعرض.
 
لم يستطيع المصور الشاب المفاضلة بين صورة و أخرى، "فكل قصص الأطفال كانت مغرقة في الألم لحدود تتجاوز المفاضلة بين هذه القصص أو الآلام"، بحسب قوله.
 
وأتت فكرة المعرض بعد أن عايش المصور أبطال القصص فترة من الزمن، إذ يقول الجرود لصحيفة "عربي21"، إنك "قد تعرف بأنك ذاهب إلى المكان الذي سيرسم صورتك الحقيقية أمام الواقع، صورة عاجزة وتائهة في عالم موغل بالوحشية، ولا أقصد هنا القتل فقط ،إنما أراها في كلماتنا جميعا وأحاسيسنا تجاه الآخر".
 
وأضاف الجرود: "ففي زيارتي الأولى للدار تجمع الأطفال حولي، حملت أحدهم ومن ثم حملت الآخر، وهذا أقصى طاقتي، ولكن أحدهم لم يستطيع الوصول لي أو عناقي، فأمسكني من ساقي وشد عليها بقوة، لم أعهدها في عناق سابق، ما شدني لزيارة الميتم بين حين وآخر دون هدف محدد".
 
وتابع الجرود: "بعد مرور عام تقريبا كانت إدارة الميتم تحاول نقله من منطقة قريبة من مدينة نزب التركية إلى مدينة غازي عينتاب، فقد كان الميتم في بيئة معزولة عن الاحتكاك الاجتماعي أو غيره، ما قد يسهل انخراط هؤلاء الأطفال في المجتمع، فكانت فكرة المعرض كطرح يحاول المساعدة بشكل أرقى من الحالة المعتادة، التي تقوم على الطلب أو الاستجداء من الجهات أو الأشخاص الذين يمسكون مفاتيح المال".
 
و يهدف المعرض حسب الجرود "للحصول على مبلغ مالي قد يساعد إدارة الدار في خطوات لصالح هؤلاء الأطفال، وتقديم لمحة تعريفية حول الدار  كي يتاح المجال لأي منظمة قد ترغب بالتنسيق معهم لتقديم أي مساعدة".
 
وحاول المصور خلق مقاربة بين العمل الصحفي و الإنساني؛ من خلال دعوة الأطفال لمشاهدة صورهم و التقاط صور لهم مرة أخرى وهم في المعرض، وحسب الجرود "أن يزور الأطفال المعرض هو كسر الحالة العامة التي تبنى عادة بين الصحافة والأماكن التي تعاني من وضع إنساني معين كالمخيمات والملاجئ وغيرها، فكثيرا ما تتردد الصحافة إلى هذه الأماكن، ويقوم الصحفيون بالتقاط الصور للأطفال دون أن يعلم هؤلاء الأطفال لماذا يتم تصويرهم! والي أين تذهب صورهم! فهنا يزور الأطفال المعرض ويشاهدون صورهم على غير العادة".
 
وأضاف: "لعل زيارة الأطفال إلى المعرض هي أجمل ما  في هذا الحدث، وتتبع ابتساماتهم عند النظر إلى صورهم هو الشيء الوحيد الذي يجعلك تشعر بأنك تقوم بعمل صحيح، وقد يكون المعرض بمثابة هدية لهم، ففي زياراتي لدار الأيتام كنت احصل دائما على هدايا من هؤلاء الأطفال كملصقات صغيرة أو اسوارة و أشياء أخرى".
 
ويعد المعرض بالنسبة للمصور "ذاكرة للأطفال تتحدث عن سنة كاملة، تتبعوا تفاصيلها بدقة، وتوقفوا عند ذكريات وابتسامات جمعتهم في الميتم"، على حد قوله. 
 
و على خلاف أغلب المعارض لم يصور الجرود الألم و معاناة الأطفال السوريين كضحايا للحرب، بل تميزت جميع اللوحات "بفسحة أمل" و ابتسامات ناعمة تخفي قصصا ستروى لأجيال قادمة.