قضايا وآراء

من يكره الجيش؟

1300x600

من التهم المُعّلبة التي يحفظها جمهور الانقلاب العسكري في مصر عن ظهر قلب، ويفجرونها في وجه كل رافضي الانقلاب أو رافضي حكم العسكر بصفة عامة، عندما يعجزون عن إقامة حجتهم التي تبرر لهم رفض الحياة على أرض الوطن بكرامة، وحرية، وإرادة، ومسؤولية، والقبول بحياة يختصرونها في المأكل والمشرب، تهمة كراهية الجيش، الذي يفترض في من يحبه أن يكون مؤيدا لمن يستخدمه في الحكم أو ينحرف به لما دون ذلك، دون رفض أو نقد أو اعتراض، حتى ولو كان ذلك الجيش يخالف الأصل الذي وجد من أجله، في حماية الحدود والتراب الوطني -بعقيدة الدولة القُطرية التي أسستها "سايكس ـ بيكو"- ويلعب دورا ليس دوره بتطلعه إلى شؤون الحكم وأعمال السياسة. 

وقد يكون جمهور الانقلاب، الذين نعتهم الكواكبي بلقب أسرى الاستبداد، معذورين في هذا الفهم على أساس أنهم درجوا على أن مهمة الجيش هي الحكم، لوجودهم في دولة عسكرية ممتدة منذ ستة عقود مضت، فصار هذا هو الأصل عندهم، والحكم المدني الديمقراطي هو الاستثناء، بغض النظر عن الفشل الفاخر الذي حققته تلك الدولة الباقية والممتدة في شتى المجالات بما فيها المجال العسكري، عبر هزائم وانتكاسات متتالية، زيف حقيقتها إعلام فاجر ونخبة مزيفة، ولكن هذا العذر المفترض لا يمنع تذكيرهم بحقيقة مفادها أنهم هم الذين يكرهون الجيش وليس رافضو حكمه.

لأن من يكره الجيش في الحقيقة هو الذي يدفعه بتأييده له، أو تأييد قادته الذين يغامرون به، إلى تكرار ذات السيناريو الذي كان عليه ذلك الجيش قبل الهزيمة الساحقة التي تعرض لها على يد دولة الاحتلال الصهيوني في عام 1967 والتي لم تكن إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لاشتغال وانشغال الجيش في ذلك الوقت بالعمل السياسي على كل المستويات، وقد شهد بذلك أحد أهم رجال القوات المسلحة في القرن الماضي، المشير محمد عبد الغنى الجمسي، الذي قال في معرض حديثه عن أسباب الهزيمة إن "الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي قط، وإن سبب هزيمتنا في 67، هو انشغال واشتغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة، فلم يجدوا ما يقدمونه في ميدان المعركة ".

ومن يكره الجيش هو الذي يؤيد قائدا منحرفا يسعى إلى تحقيق أحلامه الخاصة وبناء مجد شخصي حتى ولو لم يكن أهلا لتحقيق أدنى أنواع المجد، ويستخدم الجيش لتحقيق مآربه التي حلم بها منذ أربعة عقود على حد أحد أقواله المسربة، رغم أنه يدرك خطورة العودة بالجيش إلى العمل السياسي من جديد، ومن الطريف أنه قد صرح قبل أن يقوم بالانقلاب الغاشم ويؤسس لدولة جديدة من دولة الجيش، أن عودة الجيش إلى السياسة تعنى عودة مصر ثلاثين أو أربعين عاما إلى الوراء، وقد كان وعادت مصر إلى ما هو أبعد من ذلك.

ومن يكره الجيش أيضا هو من يساهم بتأييده لهذا الشذوذ الحضاري الذي عفى عليه الزمن، ويساعد في تغيير عقيدة الجيش القتالية التي توجب على قواته التفرغ لحماية الحدود من كل خطر خارجي، والاستعداد الكافي لتوجيه البندقية إلى صدور المعتدين، ويستبدلها بتوجيه البندقية في صدور المعترضين من أبناء الوطن على استخدام الجيش في السياسة خوفا وحفاظا عليه، بما يورث المجتمع انشقاقا وشرخا في نسيجه الاجتماعي، ويجعل لبعض أبناء الوطن ثأرا على من اعتدى على أهاليهم وذويهم، لمجرد أنهم يريدون الحفاظ على الجيش حبا فيه برفضهم دورا لم يخلق له.  

كما أن الجيش الذي يدعى حبَّه جمهورُ الانقلاب ليس الذي يتصورونه عن جهل بأنه القادة الذين يربطون وجوده بوجودهم، فالجيش الوطني ليس مجموعة من المرتزقة حتى يتهدم لإزاحة قائد أو قادة كما يظنون، وهذا ما يؤكده الواقع الذي لم يشهد على ذلك ولا يجوز لذلك أن يحدث أصلا، فالجيش كالوطن لا يزول الثاني بزوال رئيس أو نظام كما لا يزول الأول بزوال قائد أو قادة، والجيش هو المواطن الجندي في المقام الأول الذي تخرجه كل بيوت الشعب زكاة للجهاد والدفاع عن الأرض والعرض.

ولو أدرك جمهور الانقلاب هذه الحقيقة التي لا يريدون رؤيتها، لتبين لهم أنهم أكثر الناس كراهية للجيش، وان كانوا يحبونه فحبهم هذا كحب الدبّة التي قتلت صاحبها، ولتبين لهم أيضا أن من قُتلوا وسُجنوا وطوردوا لرفضهم عودة الجيش إلى السياسة، وفُعل كل ذلك بهم بتأييد من الجيش، هم الأكثر حبا للجيش الذي يريدون له أن يكون كما كان قبل تأسيس دولة العسكر الأولى في 1954م، وكما يجب أن يكون مؤسسة وطنية عريقة تحمى الوطن وتسهر على سلامة أراضيه، دون أن تنغمس في وحل مغانم سياسية أو اقتصادية، أو تنحاز إلى فصيل في المجتمع ضد فصيل آخر، كما حدث بعد الانقلاب الذي يدعى جمهورُه حبَّه الكاذب للجيش وهم أكثر الكارهين له.