قضايا وآراء

أكتوبر.. الحرب والحكم

1300x600
تحل الذكرى السنوية لحرب أكتوبر التي وصفها الرئيس الراحل أنور السادات بأنها آخر الحروب في المنطقة، ويحل معها الجدل، ليس حول قيمة النصر الحقيقي لتلك الحرب المحفورة في وجدان المصريين بالإعجاز والأسطورية، رغم الأقاويل والدراسات والأبحاث والأسرار التي تخرج بين الحين والآخر لتنال من تلك الأسطورية وذلك الإعجاب، للدرجة التي دفعت البعض إلى القول بأن نصر أكتوبر ماكان إلا أكذوبة من أكاذيب السلطة المستبدة التي اختصرت الحرب في العبور الى الضفة الشرقية للقناة، والنصر في إزالة خط بارليف.
 
مع الاعتراف بقيمة هذين العملين العظيمين، لأن الحروب يقاس النصر فيها بنتائجها النهائية على الصعيدين العسكري والسياسي معا، وذلك ترتيبا على النتيجة السياسية التي تحققت بعد الحرب على المدى القريب والبعيد، والمسئولة عنها القيادة السياسية في ذلك الوقت، التي لم تنال من النصر العسكري سياسيا ودبلوماسيا إلا ما أريد لها أن تنال فقط، باعتراف أبرز القادة العسكريين لتلك الحرب وعلى رأسهم الفريق سعد الدين الشاذلي والمشير محمد عبد الغني الجمسي.

ولكن الجدل الأهم ليس حول قيمة النصر النهائي والنتيجة السياسية المترتبة على تلك الحرب، وإنما بعلاقتها بشرعية الحكم، تلك الشرعية التي استبدلها السادات الملّقب نفسه ببطل الحرب والسلام بشرعية يوليو، واستخدمها مبارك صاحب الضربة الجوية الأولى كما كان يقال له طوال حكمه الممتد، وحتى المجلس العسكري الحاكم بعد الثورة التي أزاحت صاحب الضربة الجوية، إلى أن جاء الانقلابي عبد الفتاح السيسي الذي لم يشارك أصلا في تلك الحرب، ومع ذلك لايتوانى هو ولا أبواقه الإعلامية المختلفة من الغرف من شرعية تلك الحرب التي لاتنضب أبدا، مع التماهي أحيانا مع شرعية الاختيار والإرادة الشعبية التي حاولت تأسيس قواعدها ثورة الخامس والعشرين من يناير المغدور بها، ذرا للرماد في العيون!.
 
ويبدو من ظاهر الحال أن حرب أكتوبر ماكانت إلا لتأسيس شرعية جديدة للحكم في مصر، بعد ضمور شرعية يوليو التي انتهت بهزيمة 1967م المسماة بالنكسة، خاصة مع عقلية العسكر الحاكمة، التي لاترى في الخدمة الوطنية مدفوعة الأجر من قِبل الشعب إلا سلطة تخول لها الحكم والسيطرة، رغم انقطاع الصلة بين الحرب والحكم، فكثيرا ماكان الرئيس المخلوع حسني مبارك تحديدا نظرا لتطاول عمر الحكم به، مدفوعا إلى استدعاء دوره في حرب أكتوبر لتلميع شرعيته في الحكم كلما بهتت بفعل الزمن والفشل في مختلف المجالات، ويبقى السؤال دون إجابة خاصة من النخب المزيفة، ما علاقة الحرب بالحكم؟.
 
وربما يكون هذا السؤال غريبا على مجتمع أعتاد على الشرعيات الفوقية التي تحددها لنفسها السلطة الحاكمة دون الاعتداد بالشعب الذي ليس له سوى التأييد والتسليم والاطمئنان وبعض الإجراءات الشكلية التي تتزين بها السلطة، فالعلاقة بين الحرب والحكم، كالعلاقة بين الثورة والحكم، التي تصور الثورة على أنها سبيلا للحكم وتصور الحكم على أنه ثمن الثورة.
 
وهذه الخلفية التاريخية الموروثة من شرعية يوليو العسكرية هي التي كانت إحدى الآفات التي نالت من ثورة يناير الشعبية الخالصة، عندما ظن البعض أن يناير كيوليو يحق لكل من شارك فيها النظر إلى الحكم دون المرور على بوابة الاختيار الشعبي، على الرغم من أن الهدف الأسمى لثورة يناير كان ولايزال هو إقامة حياة ديمقراطية حقيقية لايسود فيها إلا شرعية الاختيار.
 
وهكذا كانت ولا تزال حرب أكتوبر وشرعيتها الحاكمة وعقلية الحاكمين والمحكومين بها، فعندما انصاع الرئيس المخلوع حسنى مبارك للضغوط الداخلية والخارجية من أجل إدخال تعديل شكلي لقواعد اللعبة السياسية في عام 2005م، وتمرد على طريقة الاستفتاءات الناصرية والساداتية ذات المائة إلا قليلا، وأجرى انتخابات رئاسية شكلية ليفوز بمدة جديدة، لم يختار في حديثه الانتخابي المطول مع الإعلامي عماد الدين أديب، إلا دوره في حرب أكتوبر التي أختزلها في نفسه كما كان السادات يختزلها في نفسه، وتجاهل تماما الحديث عن انجازاته السياسية والاقتصادية عبر مسيرة ربع قرن من الحكم.
 
على فرض أن الاختيار كان مكتوب له النزاهة والشفافية والتعبير الصادق عن إرادة الشعب ورغبته، ولم يكتفي الرئيس المخلوع بتجديد حكمه بشرعية الحرب التي خاضها على مايبدو له بمفرده، بل حاول وأركان نظامه احتواء ثورة الشعب في يناير التي خرجت ضده وضد شرعيته المزعومة، تأسيسا على دوره في حرب أكتوبر، وعلى هذا باتت شرعية العسكر في الحكم الأصل فيها بعد يوليو هي حرب أكتوبر حتى ولو لم يكن الحاكم العسكري مولودا وقتها!.
 
وربما لايدري من يرى أن للحرب شرعية حكم أو للثورة كذلك بدون الاختيار الشعبي الحقيقي، أنه بذلك يهين الحرب وكذلك الثورة، لأنه يصورهما وكأنهما عملا من أعمال المرتزقة التي تستحق المكافأة والثمن!.